قواعد التربية النفسية السليمة بين الشجاعة والعفة

كتابة صفاء القاضي - آخر تحديث: 15 سبتمبر 2020 , 02:09
قواعد التربية النفسية السليمة بين الشجاعة والعفة

إن الأبناء هم نعمة الله على الإنسان وإحدى عطاياه الجزيلة التي وجب شكر الله عليها،  و منهج التربية النفسية السليمة لا يكون إلا باتباع عدة خطوات تحقق الأهداف المرجوة  ، وهي إخراج جيل قوي نفسيا لا يفتقر إلى الأخلاق القوية و قادر على تحمل تبعات الحياة ذلك هو منهج التربية النفسية التي يجب على كل الآباء والأمهات البحث عنه ومحاولة تطبيقه للوصول إلى أفضل جيل قادر على بناء نفسه وبناء جيل آخر بعده، فما هي أهداف التربية النفسية يجب علينا معرفة الأهداف النبيلة التي نسعى إليها ونعمل على تطبيق التربية النفسية القويمة لتحقيقها فما هي تلك الأهداف وهي كالتالي :

  1. زرع الصفات الراقية والأخلاق العالية في نفوس الأولاد.
  2.  قمع الصفات السيئة التي تكون فيها نتيجة  الطباع أو احتكاك فاسد بالمجتمع أدى إلى ظهور سيئ الأخلاق.
  3. تعريف الأولاد بالصفات المحمودة التي يجب أن يتخلقوا بها.
  4. تحقيق الشخصية الإسلامية القويمة التي تحقق صحيح الدين في الحياة والأخلاق.
  5.  إعلاء الهمم وزيادة العزم بالتعريف بقصص الصحابة والعلماء والأبطال والسعي إلى تقليدهم.

ما هي الصفات النفسية المحمودة؟

إن الصفات النفسية المحمودة هي تلك الصفات التي نسعى إلى تعليم وتنشئتة الأولاد عليها والحرص على  جعلها مزروعة في نفسياتهم،  وهي كل ما يتعلق بالأخلاق وهي كثيرة جدا لا تعد ولا تحصى،لأن الأخلاقيات النبيلة لا تنتهي وسوف نتحدث في هذا المقال  عن خلق الشجاعة وخلق العفة.

أولا خلق الشجاعة

الشجاعة لغة هي الجرأة والاطمئنان، والرجل الشجاع هو المقدام  ، والمرأة تسمى الشجاعة وقيل أن المرأة لا توصف بالشجاعة  واصطلاحا الشجاعة هي الإقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك وثبات الجأش عند المهالك مع الاستهانة بالموت، وقال المناوي :  الشجاعة هي الإقدام الاختياري على مخاوف  نافعة في غير مبالاة،   أما ابن حزم فقد قال :   الشجاعة هي بذل النفس للذود عن الدين أو الحريم أو عن الجار المضطهد أو عن المستجير المظلوم، وعمن هضم ظلما في المال والعرض و سائر سبل الحق، وقيل أيضا عن الشجاعة : إنها الصبر والثبات والإقدام على الأمور النافع تحصيلها، أو دفعها وتكون في الأفعال والأقوال.

 آيات عن الشجاعة في القرآن الكريم

قال تعالى :

وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139)آل عمران

وقال تعالى:

وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)النساء

وقال تعالى :

(وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) 146 آل عمران.

الشجاعة في أقوال العلماء وأقوال مأثورة عنها

قال عمر بن الخطاب إن الشجاعة والجبن غرائز في الرجال، تجد الرجل يقاتل لا يبالي ألا يئوب إلى أهله ، و تجد الرجل يفرعن أبيه وأمه،
وتجد الرجل يقاتل ابتغاء وجه الله وذلك هو الشهيد.
وهناك مقولة عن الشجاعة تقول الشجاع محبب حتى إلى عدوه والجبان مبغض حتى إلى أمه، وقيل أيضا : الشجاعة صبر ساعة
وقيل : الرجال ثلاثة فارس وشجاع وبطل، الفارس هو الذي يشد إذا شدوا، والشجاع هو الداعي إلى المبارزة، والبطل هو الحارس
وراء ظهورهم إذا انهزموا، وقال بعض الحكماء عن الشجاعة : أصل الخيرات كلها في ثبات القلب ومنه تستمد جميع الفضائل
وهو الثبوت والقوة على ما يوجبه العدل والعلم والجبن غريزة يجمعها سوء الظن بالله والشجاعة غريزة يجمعها حسن الظن بالله تعالى.

ثانيا: خلق العفة تعريفه ومقولات مأثورة عنه

تعرف العفة لغة أنها : عف عن الشئ يعف عفة وهو الكف عن القبيح ويقال عف عن الحرام.
وقال ابن منظور: العفة هي الكف عما لا يحل ويجمل، والعفة هي النزاهة، وتعفف أي تكلف العفة.
العفاف : هو الكف عن الحرام.
و الاستعفاف: الصبر والنزاهة عن الشيء
ويقال رجل عفيف وعف والمرأة عفيفة.
العفة اصطلاحا قال الكفوي: العفة هي الكف عما لا يحل، والعفة هي : حصول حالة في النفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة.
والعفة هي ضبط النفس عن الملاذ الحيوانية.
وقال الجاحظ : العفة هي ضبط النفس عن الشهوات وقصرها على الاكتفاء بما يقيم أود الجسم ويحفظ صحته فقط ، واجتناب السرف في جميع الملذات وقصد الاعتدال.

خلق العفة في القرآن والسنة

تحدثت الآيات عن العفة  وخاصة في الزواج  ،  وكذلك عن العفة التي تقي صاحبها ذل السؤال.

قال تعالى  :

(وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(33)سورة النور

وقال تعالى:

(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ )البقرة ٢٧٣

وقال تعالى:( وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)سورة النساء.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى).

وقال:(أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا، حفظ الأمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة).

عف عن اللؤلؤ فبحث عنه اللؤلؤ.

تلك القصة الجميلة التي نختم بها حديثنا عن العفة، وهي قصة تروى عن القاضي أبو بكر محمد بن عبدالباقي
بن محمد البزار الأنصاري المتوفي في بغداد سنة ٥٣٥هجري.
يحكي أنه كان مجاورا بمكة المكرمة حيث أصابه الجوع الشديد والفقر وأثناء مشيه وجد صرة صغيرة تناولها ودخل منزله
إذا بها عقد جميل من اللؤلؤ الحر الخالص أخذ يتأمله ثم وضعه جانبا وبعدها سمع نداء من ينادي في الشارع بأنهم يبحثون
عن صرة بها عقد لؤلؤ ووصفه كذا وكذا ومن يسلم الصرة يأخذ مكافأة خمسين دينارا من الذهب، فكر القاضي قليلا في
أنه ربما كان هذا المال يحل مشاكله وينقله من الفقر فخرج مناديا الرجل وأدخله منزله وطلب منه مواصفات العقد
وقد كانت هي بالظبط نفس المواصفات وهنا تردد القاضي هل يأخذ المال أم يتعفف؟؟

العفة انتصرت على الاحتياج  في النفس الطاهرة

وبرغم احتياجه للمال وبشكل شديد لكن القاضي اختار أن يتعفف ورفض أن يأخذ المكافأة، وهنا تعفف عن اللؤلؤ وعن الذهب حيث أن العفة أغلى من كل هذا، أصر صاحب العقد على إعطائه المكافأة لكنه رفض وسلمه عقده ورفض أن يأخذ مكافأة على صنيعه.

نهاية قصة التعفف عن اللؤلؤ

انتهت مدة إقامة القاضي في مكة ثم ركب البحر وبعدها تحطمت السفينة وغرق كل من فيها ووجد نفسه ملقى
في جزيرة لا يعرف ما هي، لكنه وجد مسجدا دخل وقرأ القرآن وانبهر به أهل الجزيرة وأصبح معلما لهم و لصبيانهم علوم القرآن الكريم،
وأيضا يعلمهم القراءة والكتابة وأصابه من هذا العمل الخير الوفير، وفي يوم أصر أهل الجزيرة أن يزوجوه فتاة كانت يتيمة،
وافق القاضي وتزوجها وعندما دخل بها نظر إليها فإذا العقد في رقبتها، فنظر إليه وعرفه وتأكد أنه هو العقد،

فعاتبه أهل الجزيرة لأنه نظر إلى العقد ولم ينظر إلى عروسه التي أحزنها ذلك فاشتكت لهم وكانت فتاة بارعة الجمال،
فحكى لهم القاضي قصة العقد فأخذوا يكبرون ويهللون وأخبروه أن والد الفتاة اليتيمة كان يقول لم أجد مسلما مثل
هذا الذي سلمني العقد وتعفف عن المكافأة، وكان يدعو الله أن يجمعه به ليزوجه ابنته وقد حدث ما دعا به،
وحكى القاضي أنه أنجب منها ولدين ثم ماتت وورث العقد فباعه بمائة ألف دينار وما زال يعيش باقي عمره من باقي ثمن هذا العقد.

إن الأخلاق الحميدة جزء لا يتجزأ من التربية القويمة التي يحتاج إليها النشء وكذلك هم بحاجة إلى أن يتربوا ويكبروا في بيئة نظيفة توفر لهم تلك الأخلاق قولا وفعلا.

تابعونا في موقع قصر الذي يقدم سلسلة هامة في التربية النفسية للأولاد والتعريف بالأخلاق التي يحب أن نزرعها فيهم.

هل كان المقال مفيداً؟

نعم لا

نأسف لذلك!

*


×

رائع!

×

تم الإرسال بنجاح، شكراً لك!

× اغلاق