خالد بن الوليد سيف الله الذي لم يُكسر

كتابة وليد سالم - آخر تحديث: 26 نوفمبر 2020 , 22:11
خالد بن الوليد سيف الله الذي لم يُكسر

خالد بن الوليد أبا سليمان وسيف الله المسلول على رقاب الكفرة والمرتدين، هو خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي -ابن سيد قومه الوليد بن المغيرة الملقب بالوحيد من أثريا قريش وأكثرهم ذكاءً وفطنة-، خالد بن الوليد هو الصحابي الورع والمجاهد البطل، والقائد الفذ الفريد الذي لم يجود الزمان بمثله، قائد جيش الإسلام وفاتح حصون الكفار والمرتدين، يد الإسلام الطولى التي تحطمت عليها عروش الجبابرة وأرعبت الإمبراطوريات الكبرى، خالد القائد العبقري الذي لم يُهزم في معركة قط، صاحب التكتيكات والخطط العسكرية الفذة التي لم يعهدها العرب والعالم من قبله والتي ما زالت تُدرس إلى اليوم، خالد ومن مثل خالد مهما كتبنا لن نوفيه قدره فالقلم يأتي أمامه ويعجز، لكن سنحاول خلال السطور القادمة أن نسلط الضوء على جزء من سيرته العطرة.

نسب خالد بن الوليد

يلتقي نسب سيدنا خالد بن الوليد مع الرسول ﷺ في الجد السادس مرة بن كعب، ونسبه هو خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي إلى أخره حتى كنانة، أبوه هو الوليد بن المغيرة أجود أهل قريش وارفعهم نسبًا وسيد بني مخزوم عن أبيه، وبني مخزوم وهو البطن الذي كان معنى بإمارة الجيش والحرب ومن أقوى بطون قريش وأثراها، حيث خُصوا دون غيرهم ببناء ربع الكعبة وحدهم، والوليد بن المغيرة المُلقب بالوحيد نظرًا لجوده ونسبه كان يؤثر بكساء الكعبة المشرفة وحده عامًا وكامل قريش عام.
ولخالد العديد من الأخوة والأخوات قيل إن عددهم ستة وقال البعض الأخر أنَ عددهم تسعة أخوة من البنين والبنات، أشهرهم
الصحابيان هشام بن الوليد، والوليد بن الوليد الذي كان له عظيم الأثر في إسلام سيدنا خالد بن الوليد.

نشأة وصفات خالد

كانت قريش قديمًا تُرسل أبنائها إلى جوف الصحراء؛ حتى يشتد عودهم ويكتسبوا من الصحراء بعض الصفات، ولاحقًا يعودوا إلى والديهم، وكذلك أرسل خالد في صغره إلى الصحراء وعاد فيما بين الخامسة إلى السادسة من عمره، وقد أصيب خالد في صغره بمرض الجدري مما ترك على وجهه بعض الندوب، وعندما شب خالد تعلم الفروسية وأبدى تميزًا ونبوغًا واضحًا على أقرانه، فخالد يتميز بالمهارة والذكاء والشجاعة، وأثبت نفسه مبكرًا في ميادين القتال، مما جعله في مقدمة فرسان قريش؛ لما يتمتع به من الصفات العقلية والمهارية والبدنية، فكان خالد بارع الطول، قوي البنية كث اللحية، أقرب إلى البياض، وقيل أنه أشبه ما يكون بعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

خالد بن الوليد قبل الإسلام

خالد بن الوليد قبل الإسلام كان من صناديد الكفر، وخاض أكثر من معركة ضد المسلمين، لكنه لم يشارك في أولى معاركه المشركين ضد المسلمين في غزوة بدر، وكانت أولى معاركه مع المشركين خلال غزة أحد والذي أبدى فيها ذكاءً وقلب الكفة لصالح كفار قريش بعد أن نزل الرماة وتركوا أماكنهم، خلافًا لتعليمات رسول الله ﷺ مما ساعد خالد من استغلال هذا الخطأ وتمكن من الالتفاف حول جبل الرماة وهاجم مؤخرة جيش الإسلامي وتسبب في ضياع النصر من المسلمين، كما أن خالد كان من ضمن قادة جيش الأحزاب في غزوة الخندق وحاصر مع المشركين المدينة والمسلمين، وقاد خالد فرسان قريش الذين اعترضوا طريق المعتمرين المسلمين بالحديبية وحالوا بينهم وبين مكة.

إسلام خالد

كانت لكلمات الرسول ﷺ “ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولـ قدمناه على غيره” التي قالها الوليد بن الوليد سألًا إياه عن خالد، عظيم الأثر في نفس خالد حين قرائها في رسالة أخيه الوليد بن الوليد التي يدعوه فيها للإسلام في العام السابع الهجري، فوافقت كلمات رسول الله ﷺ هوى خالد، ففكر في الأمر كثيرًا ثم عقد العزم على الهجرة للمدينة فبدأ بعرض الأمر على أقرانه المقربين صفوان بن أمية ثم عكرمة بن أبي جهل فرفضا، وكان أمر الإسلام يشغل فكر عثمان بن طلحة حينها، فلما دعاه خالد بن الوليد للهجرة معه أجابه ولم يتردد في ذلك، وفي العام الثامن من الهجرة أثناء مسيرهم للمدينة التقى عمرو العاص قاصدها ليعلن إسلامه فدخلوا سويًا، فلما رآهم رسول الله ﷺ قال “إن مكة قد ألقت إلينا أفلاذ كبدها”.

وقد قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن خالد بن الوليد أمام أخيه الوليد بن الوليد وذلك قبل إسلام خالد – رضي الله عنه – ذات يوم: ((أين خالد؟))، فقلت: يأتي به الله، فقال – صلى الله عليه وسلم -: ((ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وجدَّه على العدو، لكان خيرًا له، ولقدَّمناه على غيره)).

خالد في عهد رسول الله

كان لخالد بن الوليد الحظ العظيم باللحاق بعهد رسول الله ﷺ قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى،ففي بداية التحاق خالد بالإسلام
في العام الثامن الهجري، حدث أمر عظيم حيث كان ﷺ يرسل الرُسل إلى الملوك والأمراء بسائر بلاد العرب، وقد أوفد الحارث بن عمير الأزدي إلى ملك بُصرى فاعترض طريقه شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، وكان قتل الرُسل أمرًا كبيرًا عند العرب فالرُسل مؤمنة ولا يجوز قتلهم أبدًا، مما أثار غضب رسول الله والمسلمين.

مؤتة ميدان البطولة الأول لخالد

بعد قتل الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه، على يد شرحبيل بن عمرو الغساني عقد رسول الله ﷺ العزم على قتال الغساسنة، فأعد جيش قوامه ثلاثة آلاف وعين عليه ثلاثة من القادة هم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة وأوصى المسلمين إذا قُتل الثلاثة أن يختاروا من يرأسهم، وعندما وصل المسلمون إلى موقع الغزة في مؤتة، وجدوا بانتظارهم جيش قوامه مائتي ألف جندي من الغساسنة والروم معًا، فتواجها الجيشان واشتد القتال وأبرز المسلمون بسالة في القتال إلا أن الروم ومن معهم يفوقوهم أضعاف مضاعفة، وقتل القادة الثلاثة الواحد تلو الأخر ولاقى المسلمون أوقات عصيبة في ميدان القتال، فبعد مقتل عبد الله بن رواحة أخذ الراية ثابت بن أكرم وسلمها لخالد بن الوليد لما يُعرف عنه من براعة في القتال والقيادة.

تسلم خالد الراية وقاتل قتالًا عنيفا حتى قيل إنه كسرت في يده تسعة سيوف، إلا أن جيش الروم يوفقهم عددًا واستمر القتال محتدمًا حتى الليل، وفي الليل تجلت عبقرية خالد بن الوليد في نظرته للموقف، فلو استمر القتال مع هذا الجيش الكبير حتمًا لا محالة سيباد جيش المسلمين فثلاثة آلاف مقابل مائتي ألف أمر لا يقوى عليه أعتى المقاتلين.

عبقرية خالد بن الوليد تتجلى بميدان مؤتة

وأثناء الليل والقتال متوقف أعطى خالد أوامره بتبديل أماكن أجنحة الجيش الميمنة إلى الميسرة والعكس، ومؤخرة الجيش
مكان المقدمة والعكس، وجعل نفسه على قيادة المقدمة، وجعل مجموعة من المقاتلين خلف الجيش تحدث جلبة وتثير الغبار كأنهم مدد قادم، وفي صباح اليوم الثاني للمعركة تفاجئ الروم ومن معهم بأن الوجوه والرايات تبدلت وكأنه جيش جديد أقدم عليهم مع المدد القادم من الجلبة والغبار.

ارتعب الروم فلا قدرة لهم على قتال جيش بهذه الروح والعزيمة التي قابلتهم بالأمس في الميدان، وحينها خالد كثف من هجومه وضرباته من جانب مقدمة الجيش وأمر بانسحاب باقي الجيش وأمن هو انسحابهم ثم انسحب مع المقدمة دون أن يخسر جنديًا واحد؛ فالروم خشوا على أنفسهم وظنوا أن هذه مجرد خدعة لجرهم إلى فخ، وعاد الجيش المسلم إلى المدينة دون أن يخسر جندي واحد ويومها لقب ﷺ خالد بن الوليد بسيف الله المسلول، على الرغم من أن جميع خطط الانسحاب التي تمت عبر التاريخ من المعروف أن الجيش المنسحب بتكبد الكثير من الخسائر؛ إلا أن عبقرية خالد بن الوليد يوم مؤتة نجدت جيش المسلمين وظلت أسطورة نتحاكى بها إلى اليوم وتُدرس.

خالد بن الوليد وفتح مكة

بعد عقد صُلح الحديبية والذي كان إحدى بنوده وقف الحرب بين المشركين والمسلمين وأتباعهم عشر سنين، أخل بكر بن مناة بن كنانة من حلفاء قريش وهاجم بني خزاعة حلفاء المسلمين، فغضب ﷺ وجمع جيش قوامه عشرة آلاف فارس وتوجه إلى مكة يقصد فتحها، وقسم الجيش يومها إلى أربع أقسام وتولى هو إحداها وعين على الثلاثة أقسام الأخرى الزبير بن العوام وخالد بن الوليد وسعد بن عبادة، فدخلوا جميعًا كلٌ من بابه المخصص له فلم يجدوا من المشركين مقاومة.

إلا خالد بن الوليد وجد أنّ عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو قد جمعوا مجموعة من المقاتلين واشتبكوا مع خالد رضي الله عنه إلا أنه قتل منهم الكثيرين وفر الباقي، وحينما رجع إلى رسول الله ﷺ أرسله هو ومجموعة من الفرسان لهدم العزى وحينما أقدم على هدمها وجد امرأة عارية سوداء، فضربها بسيفه فقسمها نصفين وحين رجع أخبر رسول الله بهذا فقال له “تلك العزى، وقد يئست أن تعبد في بلادكم أبدا.

زلّة خالد في قتال بني جذيمة

بعد فتح مكة استمر الرسول ﷺ بإرسال الرسل إلى الأنحاء وقد
أرسل خالد بن الوليد وعينقائدًا في سرية قوامها ثلاثمائة
وخمسين مقاتل إلى بني جذيمة بن عامر، ولم يأمره بقتالهم
عبد الله بن عمر إلا أن خالد زلّ وقاتلهم وأصاب منهم الكثير،
رغم معارضة بعض الصحابة لذلك وعلى رأسهم وسالم مولى أبي حذيفة، فلما علم رسول الله ﷺ
قال “اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد”، ثم أرسل إليهم ديّة القتلى منهم.

جولات وصولات في عهد الرسول

ويوم حنين عُين ﷺ خالد بن الوليد قائد على بني سليم كقائد
لمفرزة الاستطلاع بهدف تأمين وصول الجيش إلى حنين،
نتيجة لخبرات خالد العظيمة في القتال ودهائه العسكري
إلا أنه صادف العجوز ذو المكر والخديعة مالك بن عوف الذي
أسلم فيما بعد، وأثناء تقدم خالد ومن معه عبر الوادي الضيق
المؤدي لحنين وكان طريقًا محفوفًا بالمرتفعات والأشجار،
كان قد نصب له مالك الشّرك وفوجئ خالد وجنوده بمئات
من الأسهم والنبال تنهال عليهم من الجانبين وتفرق جند
خالد ودب الخوف والذعر وأخذوا في الانسحاب، إلا أن خالد
صمد معه قلة قليلة وأخذ خالد يقاتل قتالا عنيفًا حتى أصيب
يومها بإصابات بالغة الخطورة وظل ينزف لساعات حتى استفاق
على يد رسول الله وقد نفخ ومسح على جرحه فشفي.

ومن الغزوات التي شارك بها خالد تحت إمرة الرسول ﷺ غزوة تبوك
والتي ابلى فيها خالد بلاءً حسنا، ومن تبوك بعث ﷺ خالد بن الوليد
في سرية إلى دومة الجندل الذي أسر صاحبها، وهدم صنمهم وُدّ،
ثم صالحه رسول الله فيما بعد على الجزية.
وفي عام عشرة هجرية أوفد ﷺ خالد في سرية إلى بني الحارث بن كعب بنجران،يدعوهم إلى الإسلام، فقبلوا الإسلام ومكث
فيهم رضي الله عنه يعلمهم الإسلام ومن ثم أخذ وفدًا منهم لرسول الله ﷺ ليعلنوا إسلامهم.

أشهر مقولاته

وقد شهد حوالي مئة معركة بعد إسلامه، قال على فراش الموت: لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني موضع شبر، إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح وها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي فلا نامت أعين الجبناء

في هذا المقال سردنا بعض المقتطفات من حياة القائد العظيم والصحابي الجليل خالد بن الوليد أبا سليمان رضي الله
عنه وأرضاه، أوردنا فيها بعض من سيرته العطرة، في إسلامه وما قبلها، وغزواته وبراعته العسكرية في ظل رسول الله ﷺ، وسنكمل في مقال آخر بإذن الله ما بدأناه من سيرته وفتوحاته في عهد الصحابة حتى أن لقى ربه.

 

هل كان المقال مفيداً؟

نعم لا

نأسف لذلك!

*


×

رائع!

×

تم الإرسال بنجاح، شكراً لك!

× اغلاق