خالد بن الوليد السهم النافذ لأبي بكر الصديق

كتابة وليد سالم - آخر تحديث: 1 ديسمبر 2020 , 23:12
خالد بن الوليد السهم النافذ لأبي بكر الصديق

استكمالًا لما بدأناه في المقال السابق من سرد لسيرة المجاهد العظيم والصحابي الورِع أبا سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه، بدءًا من نشأته وصفاته، وحياته قبل أن يمن الله عليه بالإسلام، إلى دوره البارز في الغزوات والسرايا في عهد رسول الله ﷺ، واليوم نستكمل حديثنا عن دوره في حروب المرتدين وفتح العراق وفارس، وما قام به من بطولات وفتوحات، حتى بداية فصل آخر من حياته وانتقاله لقتال الروم وفتح الشام.

خالد بن الوليد في عهد أبي بكر

بعد وفاة النبي ﷺ وانتقاله للرفيق الأعلى، ارتدت أغلب القبائل العربية فمنهم من ارتد عن الدين بالكلية واتبع المتنبئين ومدعي النبوة، ومنهم من امتنع عن دفع الزكاة بحجة إنها ضريبة كانت تؤدى لرسول الله وبوفاته انقضت، حينها كان قد تولى الخلافة أبو بكر الصديق رضي الله عنه واتخذ موقف غاية في الصرامة والقوة؛ وعدّ العدة لقتال جميع المرتدين سواء عن الدين أو الممتنعين عن أداء الزكاة، وكان لبعض الصحابة وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأي أخر بعدم قتال الممتنعين عن أداء الزكاة، إلّا أنه كان لأبي بكر رأي أخر وقال قولته الخالدة “والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، واللّه لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول اللّه ﷺ لقاتلتهم عليه”، حينها شهد عمر واقر أن الحق في رأي أبي بكر.

خالد بن الوليد وحروب الردة

قبل وفاة النبي ﷺ كان قد أعد العدة لخروج بعثة أسامة بن زيد تمهيدًا لفتح العراق والشام، واستغل المرتدين من قبائل غطفان وعبس وذبيان خروج هذه البعثة بعد وفاة النبي ﷺ، فعمدوا إلى مهاجمة المدينة المنورة إلّا أن الصديق والمسلمين صدوا هذا الهجوم، مما دفع أبي بكر الصديق إلى تكوين جيش كبير من أحد عشر لواءً لحرب المرتدين ومانعي الزكاة، وعين على كل لواءٍ منهم قائد وعين خالد بن الوليد على أحد هذه الألوية بجيش قوامه أربعة آلاف مقاتل لمواجهة فُحول المرتدين.

وندب أبي بكر الصديق حينها خالد بن الوليد لمجابهة وإخضاع قبيلة طيء وقبيلة بني أسد، إلّا أنه قبل أن يتحرك خالد بجيشه إليها قَدِم عدي بن حاتم الطائي بأموال الزكاة، فتوجه خالد نحو قبيلة بني أسد لمحاربة مدعي النبوة طليحة بن خويلد، وكان قد اجتمعت حوله قبائل أسد وسليم وما تبقى من فلول عبس وذبيان وبكر، واشتبكوا مع جيش خالد في بُزاخة وهزمهم خالد هزيمة نكراء وفر حينها طليحة إلى الشام، وأمر خالد بمطاردة فلول المنهزمين منهم.

خالد بن الوليد ومالك بن نويرة

بعد أن أنهى خالد معركته مع بني أسد وحلفائهم، توجه صوب بنو تميم وكان سيدهم مالك بن نويرة وكانوا من الممتنعين عن أداء الزكاة، إلا أنهم كانوا في تخبط وحيرة من أمرهم في أمر دفع الزكاة، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قبل أن يفد خالد إلى تميم أوصاه أن يؤذّن إذا نزل منزلا، فإن رد القوم بالأذان يكف عن قتالهم وإذا لم يؤذنوا قاتلهم، وحين وصل خالد بجيشه إلى بني يربوع لم يجد أحدًا، فقد أمرهم مالك بن نويرة سيدهم أن يتفرقوا فأرسل خالد السرايا لكي يأتوه بكل من لم يجيب داعي الإسلام.

وجاء الجند بمالك في جماعة من قومه، فاختلفت السرايا حول إذا ما كان مالك وجماعته لبوا داعي الإسلام وأقاموا الصلاة أم لا، فالبعض وعلى رأسهم الصحابي أبو قتادة الأنصاري شهد أنهم أقاموا الصلاة وقال البعض الأخر أنهم لم يؤذنوا، إلّا أن خالد تسرع وقتل مالك بن نويرة وتزوج من أم تميم زوجته، وقد أنكر بعض الصحابة على خالد فعلته هذه وعلى رأسهم أبو قتادة الذي رجع إلى المدينة وأخبر الخليفة أبو بكر الصديق بما فعل خالد، فأرسل الصديق في طلب خالد ونهره عن فعلته وعنفه عليها، وكان لعمر بن الخطاب رأي بعزل خالد عن إمرة الجيش إلّا أن أبو بكر قال قولته المشهورة “ما كنت لأشيم سيفًا سلّه الله على الكافرين”، فأمر أبو بكر خالد بالرجوع إلى جيشه.

خالد بن الوليد ومسيلمة الكذاب

كان من بين مدعي النبوة مسلمة بن حبيب الملقب بمسيلمة الكذاب، وكان قد جمّع حوله ما يقارب الأربعين ألف من قومه بني حنيفة ممن أمنوا بنبوته الكاذبة، فعقد أبي بكر العزم على مواجهتهم، فأرسل إليهم لواءً تحت إمرة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه، وأتبعه بعد ذلك بلواء بقيادة شرحبيل بن حسنة، إلّا أن عكرمة تسرع بمواجهة مسيلمة وجيشه وحده قبل وصول المدد مما عرضه لهزيمة مدوية، وحين وصل مدد شرحبيل وجد أن المعركة شديدة الصعوبة، فراسل أبي بكر الصديق مبلغًا إياه بذلك، فأمر الصديق خالد بن الوليد بالتوجه إلى اليمامة بجيشه بعد أن فرغَ من قتال بني تميم.

وحين وصل خالد بجشيه التقاء الجيشان واحتدم القتال فكانت الغلبة في أول الأمر لمسيلمة وبني حنيفة حتى تراجع المسلون، وكاد أن يدخل جند مسيلمة إلى حرم خيام نسوة المسلمين، حينها ثارت حمية المسلمين وقاتلوا بضراوة حتى انقلبت الكفة لصالحهم، وانتهت المعركة لصالح جيش المسلمين إلّا أنهم فقدوا في هذه المعركة ما يقارب من ألف ومائتي شهيد من بينهم تسع وثلاثون من حفظة القرآن، مما دفع أبو بكر بتجنيد الكتاب بعد أن أشار عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بجمع القرآن مخافة أن يتفلت ويضيع بمقتل الحفظة والقُراء.

خالد بن الوليد وفتح العراق

بعد انتهاء حروب الردة، قفز المثنى بن حارثة الشيباني رضي الله عنه على تخوم الفرس في العراق وبدأ بمهاجمة حصونهم، فوصل الخبر إلى خليفة رسول الله أبي بكر الصديق فأثنى على فعلته، وأرسل إليه بمدد فأمر خالد بن الوليد بالتوجه إلى العراق لمساندة المثنى في حروبه ضد الفرس وكان قوام جيشه عشرة آلاف فارس.

اقرأ ايضاً: خالد بن الوليد سيف الله الذي لم يُكسر

معركة ذات السلاسل

كانت ذات السلاسل أولى معارك خالد في العراق ضد الفرس، وكان الجيش الفرس بقيادة هرمز الذي كان قد أعد مكيدة لخالد وللجيش المسلم قبل بدء المعركة، إذ دعا خالد لمبارزة فردية قبل المعركة وخلالها يعطي إشارة لجنده لينقضوا على خالد ويقتلوه؛ كي تخر عزيمة المسلمين بمقتل قائدهم ويهزموا بسهولة، إلّا أن هرمز أخطئ في تقدير قوة سيف الله المسلول فانقض عليه خالد كالأسد فارداه قتيلًا قبل أن يعطي جنده إشارة الهجوم عليه، وقبل أن يثب جنود الفُرس على خالد ويغدروا به بعد مقتل قائدهم، لحقه القعقاع بن عمرو التميمي -الذي قال أبو بكر الصديق في حقه “لا يُهزم جيش فيه مثل هذا (يقصد القعقاع)”-، ثم دارة الدائرة من قبل المسلمين على جيش الفرس فهزموهم شر هزيمة وفرت الفلول.

معركة المذار

بعد أن فرت فلول جيش الفرس من معركة ذات السلاسل وجه خالد إلى المثنى الأمر أن يتتبعهم، واستمر المثنى في تتبع الفلول الهاربة من أرض المعركة حتى قابله جيش آخر من الفرس بقيادة قارن بن قريانس، فأرسل المثنى إلى خالد يستنجده فلحقه وتقابل الجيشان، فقتل خالد مرة أخرى قائدهم وشتت جموعهم.

معركة الولجة وأليس

بعد أن وعي الفرس بقوة الجيش المسلم بقيادة خالد استعانوا ببني بكر بن وائل وتجمعوا لخوض معركة جديدة في الولجة، وحينها استخدم خالد أسلوب جديد في قتالهم فأحكم عليهم الكماشة ودارت عليهم الدائرة واسخن فيهم، فولى الفرس وأعوانهم هاربين وتجمعوا مرة أخرى في أليس وكانت معركة عظيمة على الطرفين إلّا أن خالد وجنده استطاعوا أن يحسموا المعركة لصالحهم.

وخاض خالد بن الوليد العديد من المعارك الأخرى والفتوحات بالعراق وكان على رأسها فتح الحيرة، ومعركة عين التمر التي واجه فيها جيش الفرس مرة أخرى مدعومًا بأتباعه من بني النمر بن قاسط فهزمهم، وفي تلك الأثناء كان عياض بن غنم يُحاصر دومة الجندل فلمّا يأس من طول الحصار أرسل في طلب خالد طالبًا منه المدد، فتوجه إليه خالد بجنده بعد أن أنهى معركة عين التمر، ووصل خالد إلى عياض وبدأ في مهاجمة الحصن حتى نجح في الانقضاض عليه وفتحه فيما عرفت بمعركة دومة الجندل، وخلال هذا التوقيت استغل أهل العراق غياب خالد فثاروا فعاد إليهم مسرعًا فأخضعهم في معارك المصّيخ والزميل والثني.

معركة الفراض

كانت إحدى معارك خالد بن الوليد مع الروم كانت في موقع على
الحدود بين العراق والشام، وكان لا يفصله عن جنود الروم
وجيشهم سوا نهر الفرات، فأرسل قائد الروم لخالد يأمره
بالاستسلام فتوعده خالد بأن الرد سيكون في أرض المعركة،
فستشاط قائد الروم غضبًا فأرسل لخالد برسالة يخيرهُ إما أن
يعبر إليه بجنده نهر الفرات وإما أن يعبر له هو بجيشه،
فطالبهُ خالد بالعبور إليه وأثناء عبورهم وثب عليهم خالد
بجنوده وحاصرهم بأجنحته، وهزمهم شر هزيمة كانت
هذه الأحداث خلال معركة الفراض، وكانت هذه المعركة
آخر معارك خالد بن الوليد بالعراق.

خالد بن الوليد وفتح الشام

شجعت معارك جيش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد في العراق، الصحابي خالد بن سعيد رضي الله عنه أن يطلب الإذن من خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق في غزو الروم على حدود الشام، فأذن له بذلك إلّا أن الروم استدرجوا جيش المسلمين وتغلبوا عليه وفر حينها خالد بن سعيد وترك عكرمة خلفه بجيشه يتقهقر، فلمّا بلغَ أبا بكر الوضع؛ أصدر خليفة رسول الله ﷺ بتوجه أربعة جيوش أخرى إلى الشام لفتحها وعين على كل جيش منهم قائدًا.

فأسند أبي بكر قيادة الجيوش الأربع لكلٌ من (عمرو بن العاص، عبيدة بن أبي الجراح، وشرحبيل بن حسنة،ويزيد بن أبي سفيان)،
إلّا أن الروم كانوا لهم بالمرصاد في كل طريق، وقد انتفشوا كثيرًا واغتروا بنصرهم المؤقت بعد هزيمتهم لخالد بن سعيد رضي الله عنه، وقالوا “والله لنشغلن أبا بكر في نفسه عن أن تورد بلادنا بخيوله”، فراسل أبو عبيدة الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه مُبلغًا إياه بالوضع وطالبًا المدد.

مقولة أبي بكر الصديق المشهورة

وحين وصل رسول أبي عبيدة إلى أبي بكر الصديق رضي الله،
وعلم بما فعل الروم وبما قالوا،حينها قال قولته المشهورة التي
خلدها التاريخ “والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد
بن الوليد”، على الفور وجه أوامره لخالد بن الوليد بأن يستخلف
المثنى بن حارثة على العراق مع نصف الجيش وأن يتحرك بالنصف
الآخر إلى الشام، ليبدأ فصل جديد من فصول جهاد وعبقرية بن
الوليد سيف الله في حروبه مع عدو آخر وإمبراطورية أخرى
كانت قد تملكت الدنيا قبل أن يركعها خالد بجيشه ويقضي عليها.

وفي المقال القادم إن شاء الله من سلسلة سيرة الفاتح العظيم
والقائد العبقري خالد بن الوليدرضي الله عنه، سنوضح كيف خاض
خالد طريق الهلاك من العراق للشام حتى يباغت الروم ويقدم
الدعم وينقذ الجيوش المسلمة من الهلكة، كما سنوضح ما فعله
خالد بالروم في معاركه معهم بأجنادين واليرموك، وسنذكر أيضًا
حادثة عزل خالد عن قيادة الجيوش من قِبل الخليفةعمر بن الخطاب
بعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وسنتحدث عن ما
تبقى من حياته وسيرته إلى أن لقى ربه، كل هذا وأكثر سنتحدث
عنه باستفاضة خلال الجزء الثالث والأخير من سيرة خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه.

هل كان المقال مفيداً؟

نعم لا

نأسف لذلك!

*


×

رائع!

×

تم الإرسال بنجاح، شكراً لك!

× اغلاق